كلمة الاحد

التاريخ: 
الاربعاء, 2012-02-01

القديس أثناسيوس الرسولي
الجزء الثاني
بقلم الأب قسطنطين قرمش

8. وبعد أن قضى اثناسيوس هذه السنوات الثلاث في غبطة ووئام عاد إلى الاسكندرية مزوداً بجميع وسائل الكفاح للمعركة التي كانت تنتظره، فحق عليه الوصف بأنه " تهذب بكل حكمة المصريين وكان مقتدراً في القول والفعل ". ولم يلبث البطريرك الكسندروس أن منحه رتبة الشماسية فكانت هذه الرتبة وسيلة لفيض النعمة الإلهية داخله أكثر فأكثر.
وفي القرن الرابع كان الحاصل على رتبة الشماسية لا يزال محتفظا بمكانته الدينية العلمية في الكنيسة: " فكان عيني الأسقف وأذنيه، ويده ولسانه، وقلبه النابض ". ولقد كان هذا الوصف صورة حقة لاثناسيوس. فلم يكن القوة المحركة لباباه فحسب، بل كان النور الساطع وسط الغيوم الآخذة في التكاتف أيضاً. وكان البطريرك الكسندروس يستعين به ويركن اليه في كل المسائل، وينظر اليه كما ينظر الأب الشيخ الى ابنه الشاب الحبيب. وكأنى بالآب السماوي قد خلقهما للعمل معا في توافق وانسجام عجيبين: فكلاهما بصير بالهدف الأسمى الذي يسعى لتحقيقه، وكلاهما يحب الكنيسة محبة خالصة فياضة تملأ عليه حياته.
9. ولقد كان اثناسيوس يؤدي خدمة الشماسية على خير الوجوه. فيقصد يوميا الأحياء التي يسكنها فقراء الشعب ليطعم الجياع ويكسو العراة ويفتقد المسجونين ويضيف الغرباء. وكان في طوافه اذا التقى بمن تزعزع ايمانه ثبته في العقيدة وشدد قلبه المضطرب. وهكذا اعتاد الناس أن يروه فيحيوه في مودة وتقدير ويرددون عباراته البليغة وتعاليمه الصحيحة متهللين متفائلين. ولم يلبثوا أن شاطروا البابا الكسندروس ما يشعر به من أن هذا الشماس الشاب هو أمل المستقبل، لأن بدعة أريوس القسيس الليبي كانت قد بدأت تتفشى بطريقة أزعجت بعض المؤمنين وعكرت صفوهم. وقد ظل اثناسيوس خلال هذا الشغب يجاهر بالايمان الارثوذكسي في باس وصدق وعزيمة مما أثار سخط أريوس عليه وعلى البابا الكسندروس فاغتبطا كلاهما لأنهما أهينا في سبيل البر.
10. ولم يكن بغريب أن يسخط أريوس لأن اثناسيوس كان عبقريا نادرا حقاً: سخر ذكاءه الخارق ومنطقه الدامغ لخدمة العقيدة الارثوذكسية التي آمن بكل حماسة شبابه المتطلع وتوَّقُد روحه الوثابة.
11. ولما تأزمت الأمور حتى بلغت منتهاها وتجمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً في نيقية ليضعوا أسس الايمان الأرثوذكسي ويثبتوا السلام في الكنيسة وقف اثناسيوس بينهم كالهرم الكبير فسحق البدعة الأريوسية برسوخ ايمانه وقوة منطقه. وكان يجيب على أقوال أريوس الشبيهة بالزئبق المترجرج بكلمات المنطق السليم فوضح الحقيقة توضيحا ساطعا لا لبس فيه وقدمها للعالم بعد أن حدد معالمها كما يقدم الجوهري قطعة من الماس المصقولة في خاتم متقن الصنع.
وبهذا الجهاد الشاق المتواصل، وبهذه المحبة المتفانية الموهوبة بسخاء نادر، اكتسب اثناسيوس محبة المؤمنين له وتقديرهم اياه. فكان من الطييعي أن يتجه اليه المصريون في اجماع عجيب حين ذاقوا لوعة اليتم بانتقال البطريرك الكسندروس الى دار النعيم. وحين خفت حدة هذه اللوعة اتفقت كلمتهم على ان خير من يخلف باباهم الراحل على السدة المرقسية هو شماسه العبقري. وتردد اسم اثناسيوس من لسان الى لسان كأنه موج البحر المتلاحق. وكأن قوة غير مرئية حركت شفاههم جميعاً حين اجتمعوا في كنيسة القديس مرقص للتشاور في أمر الانتخاب. وكان اثناسيوس قد هرب الى الصحراء ولجأ الى معلمه الحبيب أبي الرهبان، فذهب مندوبو الشعب الى الصحراء ليبحثوا عنه ووجدوه مختبئاً عند انطونيوس فاقتادوه الى الاسكندرية وساروا به رأساً الى الكنيسة المرقسية فدخلوها واغلقوا الأبواب وقالوا للأساقفة الذين استصحبوهم: " لن تخرجوا من هنا حتى تضعوا عليه اليد ". فاشترك جميع الأساقفة الذين كانوا موجودين في الاسكندرية اذ ذاك (وكان عددهم خمسين أسقفاً) ووضعوا أيديهم على المختار من الشعب بين مظاهر التهليل والتعظيم (عام326م).
12. وقام برحلة راعوية بدأت من الاسكندرية وانتهت باسوان. فكان يتنقل في بلاد القطر المصري ـ يقضي يوماً هنا ويومين هناك حسب ما تقتضيه حاجة الشعب. وكان حيثما حل يقابله الاكليروس والشعب بأسمى مظاهر الولاء والترحيب اذ كان الكهنة والشمامسة يرتدون ملابس الخدمة الكنسية ويحملون المباخر والشموع ويرددون الترانيم البيعية الخاصة بتكريم الأساقفة. وقد توثقت في هذه الرحلة البابوية المباركة عرى المحبة بين الراعي والرعية وظلت هذه المحبة وثيقة مدى حياة البطريرك اثناسيوس.
وبينما كان البابا الاسكندري منشغلاً بزيارة شعبه علم أن اريوس عاد الى الشغب في الاسكندرية، فبعث الى معلمه الأنبا انطونيوس برسالة طلب اليه فيها ان يغادر عزلته ويقصد مع رهبانه الى الاسكندرية ليقف في وجه اريوس وأعوانه. فلم يسع الشيخ القديس الا أن يلبي نداء باباه الذي هو تلميذه ايضا وبادر الى مقر الرياسة المرقسية في جماعة من أبنائه الرهبان وأخذوا يقاومون البدعة ومبتدعيها، ولم يجرؤ أحد من خصومهم على الوقوف في وجههم.
13. الا أن وقت السلام كان قد ولى وانتهى وجاء بعده وقت الخصام. فقد تظاهر اريوس بالتوبة وأقنع الامبراطور قسطنطين الكبير بذلك. فما كان من الامبراطور الا أن بعث الى البابا اثناسيوس يطلب اليه قبول اريوس في الشركة المقدسة. فرفض البابا الاسكندري هذا الطلب قائلاً: " ان من حرمه مجمع مسكوني لا يحله من الحرم الا مجمع مسكوني آخر. لأن من يملك سلطان العقد هو وحده الذي يملك سلطان الحل ". فثارت ثائرة الامبراطور على اثناسيوس اذ كان يتوقع من الجميع الطاعة العمياء. فبادر اثناسيوس الى نيقوميديا لمقابلة الامبراطور، وهناك أعلمه بجلية الأمر، ومازال به حتى أقنعه ببهتان ما يدعيه اريوس. فهدأت أعصاب الامبراطور وزود اثناسيوس برسالة الى الاسكندريين قال فيها: " اخوتي المحبوبين أحييكم مستشهدا بالله الآب والرب يسوع المسيح أني أحب السلام وأمقت الخصام. وأني في حبي هذا متيقن بأن الهنا اله سلام لا اله شغب. فان كنتم ترغبون في مرضاتي فاتركوا الضغينة والحقد ولا يحمل احدكم للآخر غير المحبة التي هي ميناء السلام. فالتخاصم والتراشق بالشتائم لا يليق بالمسيحيين اذ هو يجعلهم مضغة في الأفواه. ولقد اقامني الله ـ جل اسمه ـ لتوطيد السلام في الامبراطورية فأرجو أن يتوطد فوق ذلك في كنيسته. وقد تبادلت مع اثناسيوس باباكم العظيم المودة والاكرام كما تبادلت معه الآراء والنظريات. واني بهذه المناسبة أعلمكم بأنه رجل الله حقا لأنه يحب السلام ويتمسك بالعدل والايمان القويم. واني أحمله تحيتي اليكم فتقبلوها بسلام ".
(يتبــــع)